محمد أبو زهرة

2850

زهرة التفاسير

« التلقاء » على وزن تفعال من اللقاء وهي هنا الناحية ، و « صرفت » مبنى للمفعول وجهل فاعله لعدم الحاجة إلى ذكر من صرفهم ، إنما المراد أنهم صرفوا بوجوههم تلقاءهم غير عامدين ولا قاصدين ولا متجهين ، فهم يقع نظرهم عرضا على أهل النار فيقع بصرهم تلقاءهم . وذلك لطمعهم في الجنة ، ورغبتهم في دخولها يتجهون إلى أهل الجنة عامدين مستبشرين راجين أن يكونوا معهم ، أما نظرهم لأهل النار ، فهو عرض صرفوا إليه ولا يريدونه ، والتعبير بقوله تعالى : وَإِذا صُرِفَتْ أَبْصارُهُمْ إشارة إلى أن أبصارهم وقعت على أهل النار ، أو تلقاءهم من غير إرادة ، بل هي إرادة من صرفهم . وإنهم إذا وقعت أنظارهم رأوا هول ما فيهم ، فإذا كانوا قد فرحوا عندما رأوا المؤمنين فهم عندما وقعت أنظارهم على أهل النار ، اعترتهم رهبة ، وخافوا على أنفسهم فقالوا : رَبَّنا لا تَجْعَلْنا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ . عندما يرون النار متأججة في الأجسام البشرية يأخذهم الهول ، فيتجهون إلى اللّه تعالى قائلين : ربنا الذي خلقتنا وكونتنا ، وقمت في الوجود علينا وأنت الحي القيوم لا تجعلنا مع القوم الظالمين الذين ظلموا أنفسهم وظلموا الحق وكذبوا طاغين بالآيات ، واستكبروا عن اتباع الأنبياء ، وأنغضوا رؤوسهم عن الحق إذ دعوا ، لا تجعلنا مع هؤلاء ، لا تجعلنا في هذه النار مثلهم فقد عتوا عتوّا كبيرا ، ودخلوا في عذاب أليم اللهم قنا غضبك . هذا ما قاله أهل الأعراف لأنفسهم ، وضرعوا إلى اللّه حماية لأنفسهم ، ولم يصبوا بالملامة يوجهونها لأهل النار ، وطمعهم في الجنة يلهمهم قول الحق . وَنادى أَصْحابُ الْأَعْرافِ رِجالًا يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيماهُمْ قالُوا ما أَغْنى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ ( 48 ) .